ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل ، قال تعالى : (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها ، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان (وَلَنْ تَجِدَ) أي بوجه من الوجوه (مِنْ دُونِهِ) أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل (مُلْتَحَداً) أي ملجأ ومتحيزا تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك.
ولما كان صلّى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعا : لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلا فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك (١) ، قال يرغبه في أتباعه مزهدا فيمن عداهم كائنا من كان ، معلما أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحدا : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) شكرا لإحسانه ، واعترافا بامتنانه ، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلا عليه فقال تعالى : (بِالْغَداةِ) أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة (وَالْعَشِيِ) أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت ؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللا لدعائهم : (يُرِيدُونَ) أي بذلك (وَجْهَهُ) لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة ، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكدا للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلا آخر : (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ) علوا ونبوءا وتجاوزا (عَنْهُمْ) إلى غيرهم ، أي لا تعرض عنهم ، حال كونك (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك ، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون ، وليكونن عن قريب ـ إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل ـ في الطبقة العليا من أهل العز ، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل ، وأما إن عدّت العينان أحدا لما غفل عنه من الذكر ، وأحل به من الشكر ، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به إلا الآخرة.
__________________
(١) أخرجه مسلم وابن ماجه ٤١٢٨ وابن حبان ٦٥٧٣ عن سعد بن أبي وقاص وأخرجه أحمد ١ / ٤٢٠ عن ابن مسعود وأخرجه الواحدي ص ٢٢٤ عن سلمان وأيضا ابن عباس.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
