الأمارات ؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضا قوله تعالى : (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً) ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالا حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء ، وأنه لا يسمى كذبا وإن كان مخالفا للواقع (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلا ، لأنه لا فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى ، فكأنه قيل : على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله : (قالُوا) أي قال بعضهم إنكارا على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه فهم في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا (رَبُّكُمْ) المحسن إليكم (أَعْلَمُ) أي من كل أحد (بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا) أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال : اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا (أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ) أي فضتكم (هذِهِ) التي جمعتموها لمثل هذا (إِلَى الْمَدِينَةِ) التي خرجتم منها وهي طرسوس ليأتينا بطعام فإنا جياع (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها) أي أي أهلها (أَزْكى) أي أطهر وأطيب (طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ) ذلك الأحد (بِرِزْقٍ مِنْهُ) لنأكل (وَلْيَتَلَطَّفْ) في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له (وَلا يُشْعِرَنَ) أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر (بِكُمْ أَحَداً) أن فطنوا له فقبضوا عليه ، وإن المعنى : لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب ، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات ، وفيها صحة الوكالة ؛ ومادة (ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور على الجمع ، فالورق مثلثة وككتف وجبل : الدراهم المضروبة ـ تشبيها بالورق في الشكل وفي الجمال ، وبها جمع حال الإنسان ، وحالها مقتض للجمع ، والورّاق : الكثير الدراهم وهو أيضا مورّق الكتب ، وحرفته الوراقة ، وما زلت منك موارقا ، أي قريبا مدانيا ـ أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى ، والمداناة : أول الجمع والورق ـ محركة : جمال الدنيا وبهجتها ـ لأنها تجمع ألوانا وأنواعا ، ولعل منه الورقة ، قال في مختصر العين : إنها سواد في غبرة. وحمامة ورقاء ـ أي منه ، وفي القاموس : والأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد ، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال : جاء بأم الربيق على أريق ، أي بالداهية العظيمة ، صغر الأورق كسويد في أسود ، والأصل وريق فقلبت واوه همزة ، والأورق أيضا : الرماد وعام لا مطر فيه ، واللبن ثلثاه ماء ـ كل ذلك جامع للونين فأكثر ، والورق محركة أيضا من الكتاب والشجر معروف ـ لأنك لا تكاد
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
