(وَ) من أعجب العجب أن هذا الشفاء (لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ) أي الراسخين في هذا الوصف ، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه ، بإعراضهم عما يجب قبوله (إِلَّا خَساراً) أي نقصانا ، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم ، أعرضوا عنه ، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم ، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم ، وفي الدارمي عن قتادة قال : ما جالس القرآن أحد فقام عنه إلا بزيادة أو نقصان ـ ثم قرأ هذه الآية ؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى : (وَإِذا أَنْعَمْنا) أي بما لنا من العظمة (عَلَى الْإِنْسانِ) أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت ، من إنزال القرآن وغيره (أَعْرَضَ) أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها (وَنَأى) أي تباعد تكبرا (بِجانِبِهِ) بطرا وعمى عن الحقائق (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) أي هذا النوع وإن قال (كانَ يَؤُساً) أي شديد اليأس هلعا وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان.
ولما كان المفرد المحلى باللام يعم ، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضا بأن يقال : إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وكان هذا الاعتراض ساقطا لا يعبأ به ، أما أولا فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليهالسلام في قوله تعالى (كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) [يونس : ١٢] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم ، وبقوله تعالى في سورة هود عليهالسلام (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) [هود : ١١] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم ، وأما ثانيا فلأن المحلى باللام سواء كان مفردا أو جمعا في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي ، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى : (قُلْ) أي يا أشرف خلقنا! (كُلٌ) من الشاكر والكافر (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعناه عليه من خير أو شر (فَرَبُّكُمْ) أي فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو ، لا غيره (أَعْلَمُ) مطلقا (بِمَنْ هُوَ) منكم (أَهْدى سَبِيلاً) أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه ، فيشكر ويصبر احتسابا فيعطيه الثواب ، ومن هو أضل سبيلا ، فيحل به العقاب ، لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق ، وغيره إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة ؛ وقد روى الإمام أحمد ـ لكن بسند منقطع ـ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا ، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به ، فإنه يصير إلى ما جبل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
