عليه» (١). هذا كله إذا كان الإعراض بالفعل ، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية ، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل بما هو فيه بالقوة.
ولما بين سبحانه ـ بعد التعجيب من إنكارهم البعث ـ جهل الإنسان ، وما هو عليه من الضلال والنسيان ، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين ، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع ، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم ، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفا على (وَقالُوا إِذا كُنَّا عِظاماً) : (وَيَسْئَلُونَكَ) أي تعنتا وامتحانا (عَنِ الرُّوحِ) الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدا : ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتا ، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاد ، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى : (قُلِ الرُّوحُ) أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية (مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه ، تشريفا لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره ، بل هو يبدعها من العدم ، أو يقال ـ وهو أحسن : إن الخلق قسمان : ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير ، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق ، والثاني ما كان إخراجا من العدم بلا تسبيب ولا تطوير ، وهو المعبر عنه بالأمر ، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن ، وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان ، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة ، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة ، وأنها غير مطورة ولا مسببة ، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة ، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدبا ، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم ؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن ، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم ، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم ، وفيه أسئلة كثيرة جدا لا برهان على أجوبتها ، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه ، فإن أكثر حقائق
__________________
(١) أخرجه أحمد ٦ / ٤٤٣ وإسناده منقطع الزهري لم يلق أبا الدرداء قاله الهيثمي في المجمع ٧ / ١٩٦ فالخبر ضعيف.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
