بالسياق فقال تعالى : (عَسى أَنْ) أي لتكون بمنزلة الراجي لأن (يَبْعَثَكَ) ولما كان السياق قد انصرف للترجية ، عبر بصفة الإحسان فقال تعالى : (رَبُّكَ) أي المحسن إليك بعد الموت الأكبر وقبله ، كما بعث نفسك من الموت الأصغر إلى خدمته (مَقاماً) نصب على الظرف (مَحْمُوداً) وذلك لأن «عسى» للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه ، وقد يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر ، وقد يقوى فيأتي اليقين ، وهي هنا لليقين ، قالوا : إن عسى تفيد الإطماع ، ومن أطمع أحدا في شيء ثم حرمه كان عارا ، والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك ، وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة ، وللبخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى ، كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان اشفع! يا فلان اشفع! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود (١). أي فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل ، وله في التفسير وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة! آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٢). يعني ـ والله أعلم ـ الشفاعة الخاصة ، وأما العامة فللكل بغير شرط.
ولما كان هذا المقام صالحا للشفاعة ولكل مقام يقومه ، وكان كل مقام يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه ، تلاه حاثا على دوام المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدما المدخل لأنه أهم : (وَقُلْ رَبِ) أي أيها الموجد لي ، المدبر لأمري ، المحسن إليّ (أَدْخِلْنِي) في كل مقام تريد إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى (مُدْخَلَ صِدْقٍ) يستحق الداخل فيه أن يقال له : أنت صادق في قولك وفعلك ، فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها (وَأَخْرِجْنِي) من كل ما تخرجني منه (مُخْرَجَ صِدْقٍ.)
ولما كان الصدق في الأمور قد لا يقارنه الظفر ، قال تعالى : (وَاجْعَلْ لِي) أي
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧١٨ عن أبي عمر موقوفا. وأخرج أحمد ٢ / ٤٤١ ـ ٤٤٤ ـ ٥٢٨ والترمذي ٣١٣٧ عن أبي هريرة مرفوعا «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» وفي رواية «الشفاعة» وإسناده ضعيف ، فيه يزيد الأودي مقبول كما في التقريب ، ويشهد له حديث الشفاعة.
(٢) أخرجه البخاري ٦١٤ و ٤٧١٩ وأحمد ٣ / ٣٥٤ وأبو داود ٥٢٩ والترمذي ٢١١ والنسائي ٢ / ٢٦ ـ ٢٨ وفي عمل اليوم ٤٦ والطحاوي في شرح المعاني ١ / ١٤٦ والطبراني في الصغير ١ / ٢٤٠ وابن حبان ١٦٨٩ والبيهقي ١ / ٤١٠ والبغوي ٤٢٠ كلهم عن جابر رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
