الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ، يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ)(١) ـ الآية. قالوا : وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت ، وأن التغليس بصلاة الفجر أفضل ؛ ثم حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى : (وَمِنَ) أي وعليك بعض ، أو قم بعض (اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ) أي اترك الهجود ـ وهو النوم ـ بالصلاة (بِهِ) أي بمطلق القرآن ، فهو من الاستخدام الحسن (نافِلَةً لَكَ) أي زيادة مختصة بك ؛ قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب : وأصل النفل الزيادة ، ومنه الأنفال الزائدة على الغنائم التي أحلها الله لهذه الأمة ، وقال أبو عبد الله القزاز : النوافل : الفواضل ، ومن هذا يقولون : فلان ممن ترجى نوافله ـ انتهى. فهو زيادة للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في الفرض وللأمة في التطوع ، وخص به ترغيبا للأمة لأنهم يعلمون أنه لا يخص إلا بخير الخير ، لأنه الوقت الذي كني فيه عن استجابة الدعاء بالنزول إلى السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في الأحاديث الصحيحة (٢) أنه يكون في جوف الليل ، لأن من عادة الملوك في الدنيا أن يجعلوا فتح الباب والقرب منه ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على قضاء الحوائج ، وكل ما يعبر به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون كناية عن لازمه ، وبين ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «إن في الليل ساعة يفتح فيها أبواب السماء فينادي مناد : هل من داع فيستجاب له؟» (٣) إلى آخره ، فهذا شاهد عظيم لهذا التأويل.
ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل ، وكان السياق للعظمة رجاء في النوال بما يليق
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧١٧ و ٦٤٨ ومسلم مختصرا ٦٤٩ ومالك ١ / ١٢٩ وأحمد ٢ / ٤٨٦ والترمذي ٢١٦ والنسائي ٢ / ١٠٣ وأبو عوانة ٢ / ٢ وابن حبان ٢٠٥٣ والبغوي ٧٨٦ عن أبي هريرة مرفوعا.
تنبيه : كلام المؤلف رحمهالله يوحي بأن الحديث موقوف ، وليس كذلك والقسم الثاني هو من قوله تفسيرا للحديث.
(٢) أخرجه البخاري ١١٤٥ و ٦٣٢١ و ٧٤٩٤ بلفظ «ينزل ربنا جلّ وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا ... الحديث» وأحمد ٢ / ٤٨٧ و ٢٦٧ و ٤١٩ و ٢٨٢ و ٤٣٣ ومسلم ٧٥٨ وأبو داود ٧٥٨ والترمذي ٤٤٦ والنسائي في عمل اليوم والليلة ٤٨٣ و ٤٨٤ و ٤٨٥ والبيهقي ٣ / ٢ وفي الأسماء والصفات ص ٤٤٩ وابن حبان ٩٢٠ وابن خزيمة في التوحيد ص ١٢٧ و ١٣٠ وابن ماجة ١٣٦٦ وابن أبي عاصم في السنة ٤٩٢ واللالكائي ٣ / ٤٣٥ و ٤٣٦ كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي الباب عن أبي سعيد ، وجبير بن مطعم ورفاعة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. انظر في ذلك تخريج الشيخ شعيب على صحيح ابن حبان رضي الله عنه.
(٣) هذا مما لم أجده والمحفوظ الصحيح ما تقدم آنفا ولقد أطلت الكلام عليه ولم أجد ما ذهب إليه المؤلف عفا الله عنه وانظر كلام الإمام أبو حاتم بن حبان على هذه المسألة في الحديث السابق.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
