غيرك لأجل فعلك ، وهذه الآية من الأدلة الواضحة على ما خص به النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل في شرف جوهره ، وزكاء عنصره ، ورجحان عقله ، وطيب أصله ، لأنها دلت على أنه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في طبعه وجبلته من الغرائز الكاملة والأوصاف الفاضلة ، ولم يتداركه بما منحه من التثبيت زيادة على ذلك حال النبوة لم يركن إليهم ، وهم أشد الناس أفكارا ، وأصفاهم أفهاما ، وأعلمهم بالخداع ، مع كثرة عددهم ، وعظم صبرهم وجلدهم ـ ركونا ما أصلا ، وإنما كان قصاراهم أن يقارب الركون شيئا قليلا ، فسبحان من يخص من يشاء بما يشاء ، وهو ذو الفضل العظيم (إِذاً) أي لو قاربت الركون الموصوف إليهم (لَأَذَقْناكَ) أي بعظمتنا (ضِعْفَ) عذاب (الْحَياةِ وَضِعْفَ) عذاب (الْمَماتِ) أي ذلك العذاب مضاعفا.
وهذه المادة تدور على الوهي ، ويلزمه التقوية بالضعف ـ بكسر الضاد أي المثل وما زاد ، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه ، ويلزم الضعف الذي هو المثل المضموم إلى مثله : القوة ، فمن الوهي : الضعف والضعف بالفتح والضم ، وهو خلاف القوة ، وقيل : الضعف بالفتح في العقل والرأي ، وبالضم في الجسد ، والضعيف : الأعمى ـ حميرية ، وأرض مضعفة للمفعول : أصابها مطر ضعيف ، وضعف الشيء بالكسر : مثله ـ لأن كل ما له مثل فهو ضعيف ، وضعفاه مثلاه. ويقال : لك ضعفه ، أي مثلاه ، وثلاثة أمثاله ، لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة ، وضاعفت الشيء ، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة ، وأضعاف الكتاب : أثناء سطوره ـ لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم المثل : أضعاف البدن وهي أعضاؤه ـ لأن غالبها مثنى ، أو هي عظامه ـ لأنها أقوى ما فيه ، ومن الضعف أيضا مقلوبة الذي هو ضفع ـ إذا أحدث وضرط ، وكذا مقلوبة فضع ، والضفع نجو الفيل ، والضفعانة : تمرة السعدانة ذات الشوك مستديرة ـ كأنها فلكة ، فالمعنى ـ والله أعلم : أذقناك وهي الحياة ووهي الممات مضاعفا أضعافا كثيرة.
ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد ، عبر بأداة التراخي في قوله تعالى : (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ) أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة (عَلَيْنا نَصِيراً) والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه وارتفاع منزلته ، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته ، فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين.
ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا ـ لو لا العصمة ـ أن يميلوه ، دل على
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
