ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه وأعلى يدا ، لأن الله عزوجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنيا على أن يكون بعضهم تابعا لبعض ، وبعضهم قاهرا لبعض ، وبعضهم محتاجا إلى بعض ، وكل صنف يخضع لمن هو أقوى منه ويذل له ويطيعه ، وذلك ظاهر موجود في الناس على طبقاتهم ، وفي الحيوانات على اختلافها ، وليس يستغني عن ذلك أحد ، ولا يذمه عاقل ، وإذ كان الأمر كذلك فليس ينقصكم طاعة الروم ، ولا الروم بأول من أطعتموهم وقد تقدمت طاعتكم لهم منذ سنين ، وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت بالجميل ، ودعوكم إلى المسالمة ، وبذلوا لكم الأمان ، وضمنوا لكم الإحسان ، وظهر منهم الإشفاق على مدينتكم وقدسكم فاتقوا الله ، وتلافوا أمركم ، وأحسنوا النظر لمن بقي منكم ، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعتهم لتبقوا وتتماسك أحوالكم ، وتسلم هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل أن يهدم هذا الحصن الباقي فتهلكوا.
فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ورموه بالسهام والحجارة ، فتباعد قليلا وأغلظ لهم في الكلام وقال : يا معشر العصاة! أخبروني ما الذي حملكم على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدس عن الأعداء فأنتم قد ابتذلتموه بالمعاصي ونجستموه بما سفكتم فيه من الدماء الكثيرة ظلما ، وإن كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها بأيديكم وتبالغون في ظلمها والإساءة إليها ، وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه؟ أو يبلغون فيكم أكثر مما قد بلغتموه في أنفسكم؟ أخبروني متى كان من تقدم من أمتنا أو تأخر يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد دون الصلاح والتقوى؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء له؟ وهل كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم؟ وهل كان ينصرهم إلا إذا أطاعوه واتقوه؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى قهروهم وأذلوهم ، ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ببأسهم وقوتهم ، وقد علمتم أن الله عزوجل كفى الصالحين في كل زمان أمر أعدائهم ، فمنهم من دعا الله عزوجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب ، وأظهر الآيات العظيمة في معونتهم وكفايتهم ، فبلغوا بذلك ما لم يكونوا يبلغون إليه بحولهم وقوتهم ، ومنهم من حارب الأعداء واستعان بالله عزوجل فأعانه على عدوه وظفره به ، ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة الصالحين ، اعتبروا بأبيكم إبراهيم عليهالسلام ، لما أخذ فرعون امرأته ألم يضرب الله فرعون وأهله بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم عليهالسلام وهي سليمة ، ثم أحسن إليه وأكرمه ، فهل قدر إبراهيم عليهالسلام على ذلك بالسيف والمحاربة أو بالصلاح والدعاء إلى الله عزوجل؟ وكذلك فعل الله مع
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
