أحدا ما أمهلهم ، ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله (حَمَلْنا) إهلاك نفس واحدة ، ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة ، فثبت أنه منزه عن العجلة ، وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، وتارة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال ، فبان كالشمس أنه إنما يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الله الناس : الأولين والآخرين في صعيد واحد ، يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس ، فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسّلام ، وأنهم يقولون لنوح عليهالسلام : وقد سماك الله عبدا شكورا ، وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده إلى أن وصل الأمر إلى نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربنا ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ، ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : يا محمد! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع! فأرفع رأسي فأقول : أمتي يا رب أمتي يا رب ، فيقال : يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى (١) ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما كشف عنه الزمان من صدق إخباره ، وفظاظة وعيده وإنذاره ، تنبيها على أن من كذب بكتابه أهلكه كائنا من كان وإن طال إمهاله ، فلا تغتروا بحلمه لأن الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها ، فقال تعالى : (وَقَضَيْنا) أي بعظمتنا بالوحي المقطوع به ، منزلين ومنهين (إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ) أي عبدنا يعقوب عليهالسلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا (فِي الْكِتابِ) الذي أوصلناه إليهم على لسان موسى عليهالسلام (لَتُفْسِدُنَ) أكد بالدلالة على القسم
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣٣٤٠ و ٣٣٦١ و ٤٧١٢ ومسلم ١٩٤ وأحمد ٢ / ٤٣٥ ـ ٤٣٦ والترمذي ٢٤٣٤ وابن حبان ٦٤٦٥ وابن أبي شيبة ١١ / ٤٤٤ وابن أبي عاصم ٨٨١ وأبو عوانة ١ / ١٧٠ والبغوي ٤٣٣٢ كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
