ولما كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى ، بين الحال بقوله : (لِبَنِي إِسْرائِيلَ) بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام ، وأسرينا بموسى عليهالسلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى ، فأقاموا سائرين إليها أربعين سنة ولم يصلوا ، ومات كل من خرج منهم من مصر إلا «النقيبين الموفيين» بالعهد ، فقد بان الفصل بين الإسرائين كما بان الفصل بين الكتابين ، فذكر الإسراء أولا دليل على حذف مثله لموسى عليهالسلام ثانيا ، وذكر إيتاء الكتاب ثانيا دليل على حذف مثله أولا ، فالآية من الاحتباك ؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقادا وعبادة بقوله تعالى : (أَلَّا) أي لئلا (تَتَّخِذُوا) بالياء التحتية في قراءة أبي عمرو ، وبالفوقانية في قراءة الباقين ، فنبه بصيغة الافتعال على أنه ـ لكثرة ما على وحدانيته من الدلائل ، وله إلى خلقه من المزايا والفضائل ـ لا يعدل عنه إلى غيره إلا بتكلف عظيم من النفس ، ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه ، ونفر من له همة علية ونفس أبية من الشرك بقوله منبها بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه وعد الاستغراق لها ، تاركا نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه : (مِنْ دُونِي) وقال تعالى : (وَكِيلاً) أي ربا يكلون أمورهم إليه ويعتمدون عليه من صنم ولا غيره ، لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها ـ منبها بذكر الوكالة على سفه آرائهم في ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء ، ثم أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم ، وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه ـ عند إرادة الانتقام ـ بما ارتكبوا من الإجرام ، فقال ـ منبها على الاهتمام بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس ، ناصبا على الاختصاص في قراءة أبي عمرو ، وعلى النداء عند الباقين ، تذكيرا بنعمة الإيحاء من الغرق : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) أي في السفينة بعظمتنا ، على ظهر ذلك الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء ، ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله تعالى : (مَعَ نُوحٍ) أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان شاكرا ثم إسرائيل عليهماالسلام ، لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ولم يعقبوا ، ولم يقل : ذرية نوح ، ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون تلك منة أخرى ؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثا على الاقتداء به بقوله : (إِنَّهُ كانَ) أي كونا جبليا (عَبْداً شَكُوراً) أي مبالغا في الشكر الذي هو صرف جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن جعل في ذريته النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم عليهالسلام لأنه كان شاكرا ، فاقتدوا بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم ، ولا تقلدوا غيرهما في الكفر يعذبكم ، وخص نوحا عليهالسلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
