تفضيله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ـ بالإسراء وخصوصه بذلك ، ثم قد انطوت السورة على ذكر المقام المحمود ، وهو مقامه في الشفاعة الكبرى ، وذلك مما خص به حسبما ثبت في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة ، ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة تضمنت من خصائصه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ـ الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسّلام مثل ما تضمنت هذه والحمد لله ـ انتهى.
ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد ، وما حباه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير ، أتبعه ما منح في المسير من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جدا موسى عليهالسلام الذي كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمة ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى رجعت من خمسين إلى خمس مع أجر خمسين ، والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوما ، والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت ، تنفيرا من مثل حالهم ، وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم ، وذلك في سياق محذر للمكذبين عظائم البلاء ، فقال تعالى ـ عاطفا على ما تقديره ، فآتينا عبدنا محمدا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز ، وجعلناه هدى للخلق كافة ، وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظا لدينه دائما : (وَآتَيْنا) أي بعظمتنا (مُوسَى الْكِتابَ) أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه ، معظما له بنون العظمة ، فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمدا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة ، وكان إيتاء موسى عليهالسلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني إسرائيل من حبائل فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده ، وفي هذه المدة الطويلة ـ بل بزيادة ـ كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبا البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله ، يضع حافره في منتهى طرفه ، وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوا منه في التيه لا يقدرون أن يجوزوه أربعين سنة ـ على ما قال كثير من العلماء ، أو أنهم كانوا في هذه المدة يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة ، فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على حسب ما نراه من الحكم ، ثم ذكر ثمرة كتاب موسى عليهالسلام فقال تعالى : (وَجَعَلْناهُ) أي الكتاب ، بما لنا من العظمة (هُدىً).
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
