لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص ، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب ، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليهالسلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه ـ مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم ـ على أعدائه على كثرتهم وقوتهم ، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقض المطردات ، وأمرهم بالتأني والإحسان ، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء ، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك ، تنبيها على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، دفعا لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر ، وبيانا لأنه مع المتقي المحسن ، وتنويها بأمر محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإعلاما بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة ، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود ، وتمثيلا لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى : (سُبْحانَ) وهو علم للتنزيه ، دال على أبلغ ما يكون من معناه ، منصوب بفعل متروك إظهاره ، فسد مسده (الَّذِي أَسْرى) فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضيفها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل. كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها ، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء ، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه.
ولما كان حرف الجر مقصورا على إفادة التعدية في «سرى» الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا عبر به ، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى : (بِعَبْدِهِ) أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها.
ولما كان الإسراء هو السير في الليل ، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازا مرسلا ، نفى هذا بقوله تعالى : (لَيْلاً) وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل ، وعلى أنه عليه الصلاة والسّلام لم يحتج ـ في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى ـ إلى رياضة بصيام ولا غيره ، بل كان مهيئا لذلك متأهلا له ، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليهالسلام ، قيل : كان نائما في الحطيم ، وقيل : في الحجر ، وقيل : في بيت أم هانىء ـ وهو قول الجمهور ، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) أي
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
