الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة ، بينهما أربعون ليلة ، فصلى بالأنبياء كلهم : إبراهيم وموسى ومن سواهما ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، ورأى من آياتنا ما قدرناه له ، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا وشهرا إيابا ، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى : (الَّذِي بارَكْنا) أي بما لنا من العظمة ، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات (حَوْلَهُ) أي لأجله فما ظنك به نفسه! فهو أبلغ من «باركنا فيه» ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء ، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك ، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج ؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال : (لِنُرِيَهُ) بعينه وقلبه (مِنْ آياتِنا) السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليهالسلام ملكوت السماوات والأرض ، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات ؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن ، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليهالسلام : الحمد لله الذي هداك للفطرة ، لو أخذت الخمر غوت أمتك (١). وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه (٢).
ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك الآيات حس السمع والبصر ، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم ، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدما ، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى :
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٠٩ و ٣٣٩٤ و ٥٦٠٣ ومسلم ١٦٨ وأحمد ٢ / ٢٨٢ والترمذي ٣١٣٠ والنسائي ٨ / ٣١٢ وابن حبان ٥٢ وعبد الرزاق ٥ / ٣٢٩ والطبري ١٥ / ١٢ وأبو عوانة ١ / ١٢٩ تكلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) أخرجه البخاري ٤٧١٠ و ٣٨٨٦ ومسلم ١٧٠ وأحمد ٣ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨ والترمذي ٣١٣٢ والبيهقي في الدلائل ٢ / ٣٥٩ وأبو عوانة ١ / ١٣١ وابن حبان ٥٥ وعبد الرزاق ٥ / ٣٢٩ وابن منده ٧٣٨ كلهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
