ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة ، وزاد من الحسن ما شاء ، فإن الإحسان من ثمرات العفة ، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها ، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى : (يَعِظُكُمْ) أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره ، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل ، الداعي إلى كل خير ، الناهي عن كل ضير ، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات ، فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه ، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر ، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض ، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين ، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه ، وعز اسمه ، وتعالى جده ، وعظم أمره!.
ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت ـ بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور ، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر ، عطف على ما أفهمه السياق ـ من نحو : فتذكروا أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه ـ بعض ما أجملته ، وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم ، فكانت أعظم العهود ، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق ، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علما منهم بأنه العدل ، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى : (وَأَوْفُوا) أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره (بِعَهْدِ اللهِ) أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) [الرعد : ٢٠](وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) [البقرة : ٢٧](إِذا عاهَدْتُمْ) بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم ، وصرحتم به عند شدائدكم (ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى : (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ) واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : (بَعْدَ تَوْكِيدِها) وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض ، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله ، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل ، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة ، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلا ذلك في الجميع ، بخلاف من ينقض ما نقضه خير
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
