كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (١)» وهو روح الإنسانية ، ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال : حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، قال : وأنا غلام أعقل وأفهم ، قال : فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : سوّ ذا أو خذ ذا! قال : حتى ظن الناس أنها سنة ، فالتفت إليهم فقال : أما أن هذا لا ينفع الميت ولا يضره ، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن (٢). (وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) فإنه من الإحسان ، وهو أولى الناس بالبر ، وذلك جامع للاحسان في صلة الرحم.
ولما أمر بالمكارم ، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى : (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ) وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان (وَالْمُنْكَرِ) وهو ما قصر عن العدل في الجملة (وَالْبَغْيِ) وهو الاستعلاء على الغير ظلما ، وقال البيضاوي في سورة الشورى : هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية. وهو من المنكر ، صرح به اهتماما ، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل العقوبة «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم (٣)» رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه رفعه ، وأصل البغي الإرادة ، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور ـ المحذور عند حذف مفعوله ، لأن الإنسان ـ لكونه مجبولا على النقصان ـ لا يكاد يصلح منه إرادة ، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار ، مع الملك الجبار ، الواحد القهار ، فتكون إرادته تابعة لإرادته ، واختياره من وراء طاعته ، وعن الحسن أن الخلقين الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها.
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٧٧ و ٥٠ ومسلم (٩) و (١٠) وابن ماجة ٦٤ والنسائي ٨ / ١٠١ وابن أبي شيبة ١١ / ٥ ، ٦ وابن منده (١٥) و (١٦) و ١٥٩ وابن حبان ١٥٩ كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد ١ / ٥٢ و ٥٣ ومسلم (٨) و (٣) والترمذي ٢٦١٠ وابن ماجة ٦٣ وأبو داود ٤٦٩٧ والنسائي ٨ / ٩٧ وابن أبي شيبة ١١ / ٤٤ ـ ٤٥ كلهم عن عمر رضي الله تعالى عنه.
(٢) لم أقف عليه. والثقفيات لم تطبع بعد ، وعاصم بن كليب صدوق وأبو صحابي ، ولكن الإسناد إلى عاصم الله أعلم به ، ينبغي الوقوف عليه.
(٣) أخرجه أحمد ٥ / ٣٦ و ٣٨ وأبو داود ٤٩٠٢ والترمذي ٢٥١١ وابن ماجة ٤٢١١ والحاكم ٢ / ٣٥٦ و ١٦٢ والطيالسي ٨٨٠ والبيهقي ١٠ / ٢٣٤ وابن حبان ٤٥٥ و ٤٥٦ والبغوي ٣٤٣٨ والبخاري في «الأدب المفرد» ٦٧ كلهم عن أبي بكرة رضي الله عنه وهو حديث حسن وذكره الشيخ شعيب فصححه ولا اخاله يصل إلى الصحة من هذا الطريق ، فإن عيينة بن عبد الرحمن صدوق ، ولعله صححه لشواهده.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
