الله ، صار هذا الأكل لله ، فصار ذلك شفاء للأسقام ، فكذلك إذا ذل العبد لله مطيعا ، وترك هواه ، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة ـ انتهى. وكونه شفاء ـ مع ما ذكر ـ أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان ، لا جرم وصل به قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم من أمرها كله (لَآيَةً) وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها ، أشار إلى مثل ذلك في الختم بقوله تعالى : (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة ، والاهتداء إلى تلك الأجزاء اللطيفة من أطراف الأشجار والأوراق ـ وغير ذلك من الغرائب حيث ناطه بالفكر المبالغ فيه من الأقوياء ، تأكيدا لفخامته وتعظيما لدقته وغرابته في دلالته على تمام العلم وكمال القدرة ، وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين ، تارة بالإفراد وتارة بالجمع ، ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر ، وتارة بالذكر وتارة بغيرها.
وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك بابا بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ) [براءة : ٦١] فقال : الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن ـ أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام ـ : اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها ، ويؤنب عليها من تقاصر عنها ، وينفي منالها عمن لم يصل إليها ، وهي أطوار أظهرها آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار ، لأن الخلق كله إنما هو علم للاعتبار منه ، لا أنه موجود للاقتناع به (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس : ٧ ـ ٨] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسبا لأنفسهم حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم ، لا آية خالقه (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) [الشعراء : ١٢٨] ، (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [النحل : ١٢] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان ، ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل : ١٠] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة الانتفاع انتهاء ؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالإيمان ويكون آية أمر قائم
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
