الرازي في اللوامع : فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات ، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة ـ أي بضم وسكون ، وهي دويبة تتخذ بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت ـ والعنكبوت ، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة ، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان.
ولما كان في الإيحاء معنى القول ، أتى ب «أن» المفسرة فقال تعالى : (أَنِ اتَّخِذِي) أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ (مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً) أيّ بيوت! ما أعجبها! (وَمِنَ الشَّجَرِ) أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها ، وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب.
ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من همّ المقيل الأكل ، ثنى به ، ولما كان عاما في كل ثمر ، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها ، فقال تعالى : (ثُمَّ كُلِي) وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى : (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) قالوا :
من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل ، وقال بعضهم : من نفس الأزهار والأوراق.
ولما أذن لها في ذلك كله ، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه ، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال تعالى : (فَاسْلُكِي) أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه (سُبُلَ رَبِّكِ) أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل (ذُلُلاً) أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً) [الملك : ١٥] وأشار باسم الرب إلى أنه لو لا عظيم إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك ؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جوابا لمن كأنه قال : ماذا يكون عن هذا كله؟ فقال تعالى : ـ (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها) ـ بلفت الكلام لعدم قصدها إلى هذه النتيجة (شَرابٌ) أيّ شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجلّ المآكل هو «مما يشرب» (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك ، اختلافا دالا على أن فاعله مع تمام قدرته مختار ، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى : (فِيهِ) أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة (شِفاءٌ لِلنَّاسِ) قال الإمام الرازي في اللوامع : إذ المعجونات كلها بالعسل ، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي : إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات : حلوها ومرها محبوبها ومكروهها ، تاركة لشهواتها ، فلما ذلت لأمر
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
