زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد ، ثم بعث الأموات ، ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره ، قال : (يَوْمِ) ولما كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل ، قال : (الْوَقْتِ) ولما كان قد دبج في سؤاله هذا تدبيجا أوهم تجاهله بتحتم الموت على كل مكلف ، بين تعالى أنه مما لا يجهل فقال : (الْمَعْلُومِ) أي الذي قدرت عليك الموت فيه ، وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد.
ولما أفهم ما تقدم ـ كما قلنا ـ الحكم بإغوائه ، كان السامع كأنه قال : فماذا قال؟ فقيل : (قالَ) منسوبا نفسه بالمعبود العلي ـ الذي لا يسأل عما يفعل ، وكل أفعاله عدل وحكمة ـ بعد أن رفع نفسه على العبد البشري : (رَبِ) أي أيها الموجد والمربي لي وعزتك (بِما أَغْوَيْتَنِي) أي بسبب إغوائك لي من أجلهم ، وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به ، وهو قوله : (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ) أي تزيينا عظيما ، المعاصي والمباحات الجارّة إليها الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها (فِي الْأَرْضِ) أي التي هي محل الغفلة وهم منها ، والشيء إلى ما هو منه أميل ، فهي بهذا التقدير مساوية لآية «ص» «فبعزتك» ؛ والتزيين : جعل الشيء متقبلا في النفس من جهة الطبع والعقل بحق أو بباطل (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ) أي بالإضلال عن الطريق الحميدة (أَجْمَعِينَ) انتقاما لنفسي (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ) أي المشرفين بالإضافة إليك ، فهم لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك ، فلذلك أبدل منهم (الْمُخْلَصِينَ) فزاد بهذا الكلام في الضلال ، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك : ربّ تب عليّ ـ ونحوه من الاستعطاف كما قال آدم عليهالسلام لما حفه اللطف وداركه العفو ، فارعوا هذه النعمة! والإخلاص : إفراد الشيء عما يشوبه من غيره ، فكأنه قيل : فبماذا أجيب؟ فقيل : (قالَ) الله في جوابه ، رادا على ما أوهمه كلامه من أن له فعلا يستقل به ، مكذبا له : (هذا) أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه (صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم ، فلا محيص لكم عنه ، فكأنه قيل : عليّ إقامته ، أو هو وارد عليّ ألا عوج لسالكيه عن الرجوع إليّ والمرور عليّ ـ يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئا بغير إرادتي ، فإني بالمرصاد ؛ ثم شرح ذلك بقوله ـ مضيفا جميع العباد إليه كما هو الحقيقة ، نافيا ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملا مستقلا ـ : (إِنَّ عِبادِي) أي عامة (لَيْسَ لَكَ) أي بوجه من الوجوه (عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) أي لتردهم كلهم عما يرضيني (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ) أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك (مِنَ الْغاوِينَ) ومات عن غير توبة ؛ فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء ، وقيل وهو ظاهر : إن الإضافة للتشريف ، فلا تشمل إلا الخلص ، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعا ، وفائدة سوقه بصورة الاستثناء ـ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
