البحر. فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار.
فلما تم ما أراد من آيتي السماء والأرض ، وختمه بشمول قدرته لكل شيء ، أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعا في خزائن قدرته فقال : (وَأَرْسَلْنَا) أي بما لنا من التصريف الباهر (الرِّياحَ) جمع ريح ، وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر (لَواقِحَ) أي حوامل تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها ، فهي حوامل للماء ، لواحق بالجو ، قوته على ذلك عالية حسا ومعنى ؛ والريح : هواء متحرك ، وحركته بعد أن كان ساكنا لا بد لها من سبب ، وليس هو نفس كونه هواء ولا شيئا من لوازم ذاته ، وإلا لدامت حركته. فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار (فَأَنْزَلْنا) أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح (مِنَ السَّماءِ) أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب ، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد (ماءً) وهو جسم مائع سيال ، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء (فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) جعلناه لكم سقيا ، يقال : سقيته ماء أي ليشربه ، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى سبحانه عن غيره ما أثبته أولا لنفسه فقال (وَما أَنْتُمْ لَهُ) أي ذلك الماء (بِخازِنِينَ) والخزن : وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار.
ومادة «لقح» بتقاليبها الست تدور على اللحاق ، وتلزمه القوة والعلو حسا أو معنى ، فاللقاح اسم ماء الفحل ـ لأنه يلحق الأنثى فتحمله ، وقد ألقح الفحل الناقة ، ولقحت لقاحا : حملت ، والملقوح : ما لقحته من الفحل ، أي أخذته ، وهي الملاقيح ـ يعني الأجنة ، واللقحة : الناقة الحلوب ـ لأنها أهل لأن يلحقها جائع ، وألقح القوم النخل ولقحوها ـ إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها.
والقاحل : اليابس من الجلود ، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت ، ومنه شيخ قاحل.
واللحق : كل شيء لحق شيئا أي أدركه ، والملحق : الدعي ـ لأنه متهيىء لأنه يستلحقه كل من يريده ، والملحاق : الناقة التي لا يفوتها الإبل : قال الزبيدي في مختصر العين : وفي القنوت : إن عذابك بالكفار ملحق ـ بالكسر ، أي لا حق ـ لغة.
والحقل : القراح الطيب ـ لتهيئها لمن يلحق بها ، وقيل : هو الزرع إذا تشعب ورقه ، وهو من ذلك أيضا ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق ، والحقيل : نبت ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
