فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء (١). قال المفسرون رضي الله عنهم : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة ، فلما ولد عيسى عليهالسلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله «بعث» فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن. (٢)
ولما ذكر آية السماء ، ثنى بآية الأرض فقال : (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) أي بما لنا من العظمة ، في الأبعاد الثلاثة : الطول والعرض والعمق ، على الماء (وَأَلْقَيْنا) أي بعظمتنا (فِيها) أي الأرض ، جبالا (رَواسِيَ) أي ثوابت ، لئلا تميل بأهلها وليكون لهم علامات ؛ ثم نبه على إحياء الموتى بما أنعم به في الأرض بقياس جلي بقوله : (وَأَنْبَتْنا فِيها) أي الأرض ولا سيما الجبال بقوتنا الباهرة (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي مقدر على مقتضى الحكمة من المعادن والنبات (وَجَعَلْنا لَكُمْ) أي إنعاما منا عليكم (فِيها مَعايِشَ) وهي بياء صريحة من غير مد ، جمع معيشة ، وهي ما يحصل به العيش من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها (وَمَنْ لَسْتُمْ) أي أيها الأقوياء الرؤساء (لَهُ بِرازِقِينَ) مثلكم في ذلك ، جعلنا له فيها معايش من العيال والخدم وسائر الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم ، فإن ذلك باطل لأنكم لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته وأنه واحد لا شريك له ، بين أنه ـ كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدره على حكمة دبّرها ـ كان غيرها كذلك ، فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به من العذاب ، فقال : (وَإِنْ) أي وما (مِنْ شَيْءٍ) أي مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة ، وهي لا نهاية لها (إِلَّا عِنْدَنا) أي لما لنا من القدرة الغالبة (خَزائِنُهُ) أي كما هو مقرر عندكم ، لا تنازعون فيه ، قال في الكشاف : ذكر الخزائن تمثيل (وَما نُنَزِّلُهُ) أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد عدم التناهي ، فإن كل ما يبرز إلى الوجود متناه ، فهو استخدام (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) على حسب التدريج كما ترونه ؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ليس عام بأمطر من عام ، ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء ، عاما ههنا وعاما ههنا ، وربما كان في
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٠١ و ٤٨٠٠ و ٧٤٨١ وفي الباب نحوه عن ابن عباس عند أحمد ١ / ١٢٨ ومسلم ٢٢٢٩ والترمذي ٣٢٢٤ والنسائي في التفسير كما في التحفة ١١ / ١٧٢ وابن حبان ٦١٢٩ والطحاوي ٣ / ١١٣ والبيهقي ٨ / ١٣٨ كلهم عن ابن عباس ولفظه يكاد يطابق لفظ حديث الباب كأنه واحد.
(٢) هو في البخاري ٤٩٢١ في تفسير سورة الجن والشاهد فيه قولهم ـ أي الجن «حيل بيننا وبين خبر السماء ... فلما سمعوا القرآن ... قالوا : «هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء» أخرجه أحمد ١ / ٥٥٢ والترمذي ٣٣٢٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
