ولما دل هذا على غاية القدرة ، وجرت عادة المتمكنين من ملوك الأرض بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم ، زيادة في المكنة وتوسعا في الملك ، ولا سيما إذا كان ذلك الجار ظانا مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانع من أخذه ، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه على غير هذا لغناه عنه ، فقال : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة والكمال كله (لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) أي خيرا كان أو شرا (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما) أي الذي (بِأَنْفُسِهِمْ) مما كانوا يزينونها به من التحلي بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق المفسدين ، فإذا غيروا ذلك غير ما بهم إذا أراد وإن كانوا في غاية القوة.
ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالبا من جميع مراداتهم لكثرة المعارضين من الأمثال الصالحين للملك ، قال تعالى عاطفا على ما تقديره : فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء : (وَإِذا أَرادَ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال (بِقَوْمٍ) أي وإن كانوا في غاية القوة (سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ) من أحد سواه ، وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان.
ولما كان كل أحد دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه ، قال : (وَما لَهُمْ) وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال : (مِنْ) دون وأعرق في النفي فقال : (مِنْ) ولما كان السياق ظاهرا في أنه لا منفذ لهم مما أراده ، أتى بصيغة فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف بما فوقها فقال : (والٍ) أي من ملجأ يعيذهم ، بأن يفعل معهم من الإنجاء والنصرة ما يفعل القريب مع وليه الأقرب إليه ، ثم أخبر تعالى بأمر هو من أدلة ما قبله جامع للعلم والقدرة وهو ألطف من ذلك كله ، معلم بجليل القدرة في أنه إذا أراد سوءا فلا مرد له ، ودقيق الحكمة لأنه مظهر واحد ترجى منه النعمة وتخشى منه النقمة فقال : (هُوَ) أي وحده (الَّذِي يُرِيكُمُ) أي على سبيل التجديد دائما (الْبَرْقَ) وهو لمع كعمود النار (خَوْفاً) أي لأجل إرادة الخوف من قدرته على جعله صواعق مهلكة ، والخوف : انزعاج النفس بتوهم وقوع الضر.
ولما لم يكن لهم تسبب في إنزال المطر ، لم يعبر بالرجاء وقال : (وَطَمَعاً) أي ولأجل إرادة طمعكم في رحمته بأن يكون غيثا نافعا ، ولا بد من هذا التقدير ليكونا فعل فاعل الفعل المعلل ، ويجوز أن يكون المعنى : يريكم ذلك إخافة وإطماعا فتخافون خوفا وتطمعون طمعا ، فتكون الآية من الاحتباك : فعل الإراءة دال على الإخافة والإطماع ، والخوف والطمع دالان على «تخافون وتطمعون» ويجوز أن يكونا حالين من ضمير المخاطبين أي ذوي خوف وطمع (وَيُنْشِئُ) والإنشاء : فعل الشيء من غير سبب مولد (السَّحابَ) وهو غيم ينسحب في السماء ، وهو اسم جنس جمعي ، واحده سحابة (الثِّقالَ) بأنهار الماء محمولة في الهواء على متن الريح ؛ والثقل : الاعتماد على جهة
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
