قوة ذلك ، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال : «أتى رجل رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا ، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها : يا فلانة! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى! فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك! فقال لها : إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما ، فقالت : لا حاجة لي بهما ، وجدت الله خيرا لي منهما» (١) وقد تقدم في البقرة عند (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) [البقرة : ٢٦٠] ما ينفع هنا ، وقصة قتادة ابن دعامة (٢) في رده صلىاللهعليهوسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده ، فصارت أحسن من أختها (٣) شهيرة ، وقصة أويس القرني رحمهالله تعالى في إبراء الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه لأمه كذلك (٤).
ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية ربما أورث لبسا في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له ، مزيلا للبس وموضحا للأمر فقال مكررا لما قدمه في مثله معبرا بما يدل على عظمه : (بِإِذْنِ اللهِ) أي بعلمه وتمكينه ، ثم أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : (وَأُنَبِّئُكُمْ) أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب (بِما تَأْكُلُونَ) أي مما لم أشاهده ، بل تقطعون بأني كنت غائبا عنه (وَما تَدَّخِرُونَ) ولما كان مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال : (فِي بُيُوتِكُمْ) قال الحرالي : من الادخار : افتعال من الدخرة ، قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه ، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار ، وما كان لتكسب فيما يكون من القوام فهو احتكار ـ انتهى.
ولما ذكر هذه الخوارق نبه على أمرها بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم
__________________
(١) تقدم تخريجه في سورة البقرة عند قوله تعالى أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى البقرة : ٢٦٠.
(٢) الصواب قتادة بن النعمان كما في الإصابة ٣ / ٢٢٥ وكتب الحديث الآتية.
(٣) يشير المصنف لحديث قتادة بن النعمان «أنه أصيبت عينه يوم بدر ، فسالت حدقته على وجنته ، فأرادوا أن يقطعوها ، فسأل النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : لا. فدعا به ، فغمز حدقته براحته ، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت». أخرجه أبو يعلى ١٥٤٩ وأبو نعيم في الدلائل ٤١٦
وأخرجه ابن هشام في السيرة ٢ / ٨٢ عن عمر بن قتادة مرسلا. وذكره ابن حجر في الإصابة ٣ / ٢٢٥ وكذا الهيثمي في المجمع ٨ / ٢٩٧ ، ٢٩٨ وقال : رواه الطبراني وأبو يعلى ، وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم ، وفي إسناد أبي يعلى عبد الحميد الحماني ضعيف.
(٤) صحيح. يشير المصنف لحديث عمر بن الخطاب قال : «إني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : إن خير التابعين رجل يقال له أويس ، وله والدة ، وكان به بياض ، فمروه فليستغفر لكم». وفي رواية : «كان به برص ، فبرأ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بها برّ ، لو أقسم على الله لأبره ...». أخرجه مسلم ٢٥٤٢ والديلمي ٨٧١٢ وأحمد ١٠ / ٣٨ كلهم من حديث عمر بن الخطاب.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
