(وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحاطة بكل كمال (كَثِيراً) في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصا ، وفي سائر أوقاتك عموما (وَسَبِّحْ) أي أوقع التسبيح لمطلق الخليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص (بِالْعَشِيِ) وقال الحرالي : من العشو وأصل معناه : إيقاد نار على علم لمقصد هدى أو قرى ومأوى على حال وهن ، فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك ، ويتأكد معناه في العشاء ، ومنه سمي الطعام : العشاء (وَالْإِبْكارِ) وأصله المبادرة لأول الشيء ، ومنه التبكير وهو السرعة ، والباكورة وهو أول ما يبدو من الثمر ، فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله ـ انتهى.
ولما فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بيانا لاستجابة الدعاء من أمها لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفا على ما تقديره : هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك : (وَ) اذكر (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسّلام كما في سورة مريم عليهاالسلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ) أي الذي له الأمر كله (اصْطَفاكِ) أي اختارك في نفسك ، لا بالنظر إلى شيء آخر عما يشين بعض من هو في نفسه خيار (وَطَهَّرَكِ) أي عن كل دنس (وَاصْطَفاكِ) أي اصطفاء خاصا (عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) فمن هذا الاصطفاء ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ كما قال الحرالي : أن خلصت من الاصطفاء الأول العبراني إلى اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صلىاللهعليهوسلم النبي العربي ؛ قال صلىاللهعليهوسلم لخديجة رضي الله تعالى عنها : «أما شعرت أن الله سبحانه وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران» (١) ـ انتهى.
ولما أخبرها سبحانه وتعالى بما اختصها به أمرها بالشكر فقال : (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي) أي أخلصي أفعالك للعبادة (لِرَبِّكِ) الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية. ولما قدم الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال : (وَاسْجُدِي) فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. قال الحرالي : وكان من اختصاص هذا الاصطفاء العلي ـ أي الثاني ـ ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره على ما لم يطلع عليه أحدا ممن سواها في قوله : (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) كما قال لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة : ٤٣] ـ إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلا في خاتمة اليوم المحمدي ، ويكمل له الوجود الإنساني حيث
__________________
(١) لم أره وأمارة الوضع لائحة عليه.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
