الروحانية الحياتية فيه دائما ، لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيدا ـ انتهى. (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ) أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية ، يرسله الله سبحانه وتعالى إلى عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو ، وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على المسبب.
قال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسّلام كلمة الله سبحانه وتعالى ، ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة ، ففي قوله : (مِنَ اللهِ) إشعار بإحاطته في ذات الكلمة ـ انتهى. (وَسَيِّداً وَحَصُوراً) أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق عليها في المنع من النكاح. قال في القاموس : والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك ، أو الممنوع منهن ، أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن ، والمجبوب ـ والهيوب المحجم عن الشيء. وقال الحرالي : وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء أن يكون مستعملا فيه ـ انتهى (وَنَبِيًّا) ولما كان النبي لا يكون إلا صالحا لم يعطف بل قال : (مِنَ الصَّالِحِينَ) إعلاما بمزية رتبة الصلاح واحترازا من المتنبيين ، فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى؟ فقيل : (قالَ) يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقينا وسكينة (رَبِ) أي أيها المحسن إلي.
ولما كان مطلوبه ولدا يقوم مقامه فيما هو فيه من النبوة التي لا يطيقها إلا الذكور الأقوياء الكلمة ، وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ضعيفا لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن يصرح له بمطلوبه فقال : (أَنَّى) أي كيف ومن أين (يَكُونُ لِي) وعبر بما تدور مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : (غُلامٌ) وفي تعبيره به في سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم منه شدة الداعية إلى النكاح ، وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعا زائدا على الحد ، لما عنده من غلبة الشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح ، بحيث يظن أنه لا إرب له فيه ، وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس ، وهو الذي ينبغي ألا يعرج على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد ، ولأنه أمدح له صلىاللهعليهوسلم ، ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهمالسلام وجب أن لا يعدل عنه ، وما ورد ـ كما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليهاالسّلام ـ أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «ذكره مثل هذه القذاة» (١) فقد ضعفوه ، وعلى تقدير صحته فيكون ذلك إخبارا عن أنه لما أعرض عنه رأسا ضعف ما معه
__________________
(١) باطل لا أصل له. يأتي في سورة مريم إن شاء الله تعالى.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
