لكم لطفا منه بكم (إِلى رَبِّكُمْ) أي الذي أحسن إليكم بكل نعمة ، لا إلى غيره (مَرْجِعُكُمْ) أي بالحشر وإن عمرتم كثيرا أو بقيتم طويلا (فَيُنَبِّئُكُمْ) أي يخبركم إخبارا جليلا عظيما مستوفى.
ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم ، قال : (بِما كُنْتُمْ) أي جبلة وطبعا ، ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ذهول ولا نسيان فقال : (فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي مع رسول وغيره ، ويدينكم على جميع ذلك بما تستحقونه ، وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته ؛ قال أبو حيان : حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلىاللهعليهوسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك ، فنزلت هذه الآية ـ انتهى.
ولما قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية ، وختم بالتهديد بالحشر ، أتبعه التذكير بتخصيصهم بالإحسان ، فقال عاطفا على (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) مستعطفا لهم إليه بالتذكير بنعمته : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي جَعَلَكُمْ) أي أيها الإنس (خَلائِفَ الْأَرْضِ) أي تفعلون فيها فعل الخليفة متمكنين من كل ما تريدونه ، ويجوز أن يراد بذلك العرب ، ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ما هم فيه من جزيرة العرب ، وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على الدين كله وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل الأرض في آخر الزمان (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ) في مراقي العقل والعلم والدين والمال والجاه والقوة الحسية والمعنوية (فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) أي مع كونكم من نفس واحدة ، وربما كان الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة واضحة على أن ذلك كله إنما هو فعل الواحد القهار ، لا بعجز ولا جهل ولا بخل ؛ ثم علل ذلك بقوله : (لِيَبْلُوَكُمْ) أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم (فِي ما آتاكُمْ) فينظر هل يرحم الجليل الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير ، ويشكر القوي ويصبر الضعيف!.
ولما ذكر علو بعضهم على بعض ، وكان من طبع الآدمي التجبر ، أتبعه التهديد للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير ـ بما له سبحانه من علو الشأن وعظيم القدرة ـ إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب السافل بمن يحول بينه وبينه من شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من تمهيد الأسباب ، محذرا من البغي والعصيان فقال موجها الخطاب إلى أكمل الخلق تطييبا لقلبه إعلاما بأنه رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك (سَرِيعُ الْعِقابِ) أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته لكونه لا حائل بينه وبين من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب ، بل كل ما يريد
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
