يؤمن ، والكسب راجع إلى من لم يكسب ، وهو ظاهر ، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير ، والآية من الاحتباك : ذكر إيمانها أولا دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية ، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانيا دال على حذف كافرة ومؤمنة أولا.
ولما كان هذا تهديدا ـ كما ترى ـ هائلا ، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله : (قُلِ انْتَظِرُوا) أي بغاية جهدكم أيها المكذبون (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) بجهدنا ، وستعلمون لمن تكون العاقبة.
ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق ، وكان قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه ، وأشرفت السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعا أن الحق ـ من حيث هو حق ـ شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته ؛ اشتد استشراف النبي صلىاللهعليهوسلم إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموما وعليهم خصوصا ، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم ، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم ، فاته صلىاللهعليهوسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل ، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره ، فثبته سبحانه وسلاه بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا) أي بعد إبلاغك إياهم (دِينَهُمْ) أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه ، لأن الكفر بعضه كفر بكله ، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه (وَكانُوا شِيَعاً) كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزابا بالاستكثار من الأصنام ، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر ، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضا وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض ، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان : النور والظلمة ، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنما يتوسل به في زعمهم إليه (لَسْتَ مِنْهُمْ) أي من حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم (فِي شَيْءٍ) وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق.
ولما خفف عنه صلىاللهعليهوسلم بتبرئته منهم ، أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته ، فقال جوابا لمن يقول : فإلى من يكون أمرهم؟ : (إِنَّما أَمْرُهُمْ) أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد (إِلَى اللهِ) أي الملك
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
