ذلك الرزق لا إلى أعيانه ، فهو إنباء عن رؤية قلب ، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره ، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت (مِنْ عِنْدِ اللهِ) ذي الجلال والإكرام ، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده ، وما كان مستغربا فيما هو من عنده فهو من لدنه ، فهي ثلاث رتب : رتبة لدنية ، ورتبة عندية ، ورتبة حكمية عادية ؛ فكان هذا من وسط الثلاث ـ كما قال تعالى : (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) [الكهف : ٦٥] حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص كما قال : (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) [الكهف : ٧١] والإمر العجب ، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن (من عند ربي) لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) [النمل : ٤٠] لما كان من عادته المكنة على الملوك ، وكان ممكنا فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة ـ انتهى.
ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيها على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة الكلية. قال الحرالي : في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله ، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحا لاختصاص ما بها ، ويؤيده عموم قولها : (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) وقولها : (بِغَيْرِ حِسابٍ) يشعر بأنه عطاء متصل ، فلا يتحدد ولا يتعدد ، فهو رزق لا متعقب عليه ، لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة ، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه ، لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله تعالى ، إنما يشكر رزق الله من أخذه من الله سبحانه وتعالى ـ انتهى.
ولما كان كأنه قيل : فما قال زكريا حينئذ؟ قيل : (هُنالِكَ) أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار (دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) تذكرا لما عودهم الله سبحانه وتعالى به من الإكرام ، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة. قال الحرالي : لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر ، الكافلة له في هذا المعنى ، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولدا في غير إبانه كما رزق مريم رزقا في غير زمانه فوجب دعاؤه ـ انتهى. (قالَ رَبِ) أي الذي عودني بإحسانه (هَبْ لِي مِنْ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
