الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه ، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد إنزال التوراة (وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات العشر الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين ، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون «ثم» على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة ، وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى عليهالسلام بعد إغراق فرعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك ، وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم (وَهُدىً) أي بيانا (وَرَحْمَةً) أي إكراما لمن يقبله ويعمل به (لَعَلَّهُمْ) أي بني إسرائيل (بِلِقاءِ رَبِّهِمْ) أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة (يُؤْمِنُونَ) أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب ـ لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره ـ حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول ، وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له ، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد.
فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره ، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك ، بل أنزل على هذه الأمة كتابا ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب ، بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة ، فقال : (وَهذا) أي القرآن (كِتابٌ) أي عظيم (أَنْزَلْناهُ) أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم (مُبارَكٌ) أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتا لا تمكن إزالته مع اليمن والخير.
ولما كان هذا معناه : وكان داعيا إليه محببا فيه ، سبب عنه قوله : (فَاتَّبِعُوهُ) أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة ، ولما أمر باتباعه وكان الإنسان ربما تبعه في الظاهر ، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعا عاما ، ولذلك حذف الضمير فقال : (وَاتَّقُوا) أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى ، وهي إيجاد الوقاية من كل محذور ، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس ، فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم ، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام الاتباع وإخلاصه (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام بالعطايا الجسام ، والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى) ـ إلى قوله ـ : (وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) [الأنعام : ٩٢] ، ثم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
