(أَتْلُ) أي أقرأ ، من التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضا. ولما كان القصد عموم كل أحد بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك ، وكان المحرم أهم ، قدمه فقال : (ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ) أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم (عَلَيْكُمْ) فسخطه منكم ، وما وصاكم به إقداما وإحجاما فرضيه لكم من قبيلي الأصول والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهيا عن الشرك ، وما بعده من مضمون الأمر إنما عدي عنها ، فقال : (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) الآيات مرتبا جملها أحسن ترتيب ، فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل ، فإن التقية بالحمية قبل الدواء ، وقرن به البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيما لأمر العقوق ، ثم أولاه القتل الذي هو أكبر الكبائر بعد الشرك ، وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه فعله خوف القلة ، فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم ، أتبعه ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود ، فقال ناهيا عن الإساءة في صورة الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما ، وكذا جميع المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأمورا بها منهيا عن أضدادها ، فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : (وَبِالْوالِدَيْنِ) أي افعلوا بهما (إِحْساناً.)
ولما أوصى بالسبب في الوجود ، نهى عن التسبب في الإعدام وبدأ بأشده فقال : (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ) ولما كان النهي عاما ، وكان ربما وجب على الولد قتل ، خص لبيان الجهة فقال : (مِنْ إِمْلاقٍ) أي من أجل فقر حاصل بكم ، ثم علل ذلك ، ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء فقال : (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ) بالخطاب ، أي أيها الفقراء ، ثم عطف عليه الأبناء فقال : (وَإِيَّاهُمْ) وظاهر قوله في الإسراء (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء : ٣١] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء الفقر ، فبدأ بالأولاد فقال : «نحن نرزقهم» ثم عطف الآباء فقال «وإياكم» ـ نبه عليه أبو حيان.
ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك ، أتبعه النهي عن مطلق الفواحش ، وهي ما غلظت قباحته ، وعظم أمرها بالنهي عن القربان فضلا عن الغشيان فقال : (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) ثم أبدل منها تأكيدا للتعميم قوله : (ما ظَهَرَ مِنْها) أي الفواحش (وَما بَطَنَ) ثم صرح منها بمطلق القتل تعظيما له بالتخصيص بعد التعميم فقال : (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) أي الملك الأعلى عليكم قتلها (إِلَّا بِالْحَقِ) أي الكامل ، ولا يكون كاملا إلا وهو كالشمس وضوحا لا شبهة فيه ، فصار قتل الولد منهيا عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : (ذلِكُمْ) أي الأمر العظيم في هذه المذكورات.
ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس ، ختمها بما لا يقوله إلا المحب
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
