ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة ، تيسر على المستبصر كف يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه ، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق ، قلت : وسيأتي قريبا تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلا في النفس وتطبيعا لها بخلق ما هو دمه من اللحم ـ والله الموفق ؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس ، والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان ، وذلك لأن من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من أخلاقه ، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد ، والانكباب على ما تقبل عليه في أدنى الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق ، وكذلك ما يضر بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس ، ولذلك هي جماع الإثم ، فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين ، ومن شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، وهي عصارة أهل النار ، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها ، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل ، ولها في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) [النساء : ١٠] وإن لم يحس بها ، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله تعالى (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء : ١٠] ، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره ، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله ، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا ، ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان من تعريف ربه ، فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن ، عرف أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) [البقرة : ٢٧٥] وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه ، لأنه مأخوذ عن غير الله ، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقا وكفرا لأنه تناول الروح من يد
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
