حال سواء ذبح أم لا ، ولو قيل : أو خنزيرا لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حيا فقط ، وقال : (فَإِنَّهُ) أي الخنزير (رِجْسٌ) ليفيد نجاسة عينه وهو حي ، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجسا ، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه ، فلو عاد عليه كان تكرارا.
ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض ، فقال مبالغا في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله : (أَوْ فِسْقاً) أي أو كان الطعام خروجا مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل ، وهلك وتوى ؛ ثم قال مفسرا له مقدما لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير : (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ) أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله (بِهِ) أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تدينا ؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة منه لهم وسترا لتقصيرهم فقال : (فَمَنِ اضْطُرَّ) أي حصل له جوع خشي منه التلف ، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين ، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذ لا يكون مضطرا (غَيْرَ باغٍ) أي على غيره بمكيدة (وَلا عادٍ) أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة (فَإِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة (غَفُورٌ) أي يمحو الذنب إذا أراد (رَحِيمٌ) أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات ، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له ـ في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته ـ أجرا عظيما ، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير ، وذلك هو سبب تحريمها ؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف ـ أي حرف الحرام ـ طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريما وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة إلى طهرته ، وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك ، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم ، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه ، ورين على القلب أو صفاء ، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره ، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع الحلال قوله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
