أي لم يكن في كونهم وصف الهداية ، بل زادوا بذلك ضلالا ؛ قال البخاري في المناقب من صحيحه : حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً) ـ إلى قوله : (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)(١). وله في وفد بني حنيفة من المغازي عن مهدي بن ميمون قال : سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر ، وإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به ، فإذا دخل شهر رجب قلنا : منصل الأسنة ، فلا ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه فألقيناه شهر رجب (٢).
ولما كان مدار القرآن على تقرير التوحيد والنبوة وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار ، وأتقن تقرير هذه الأصول لا سيما في هذه السورة ، وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيبا بعد تعجيب ، وهجن طريقتهم ووبخهم توبيخا في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة ، وحكى أقوالهم الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم أنصف الناس ، ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس ، وبطلبهم للآيات تعنتا مع ادعائهم أنهم أعقل الناس ، وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس ، وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم أنهم أشجع الناس ـ إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فيما رزقهموه سبحانه من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفا عن سلف ، تنبيها على ضعف عقولهم وقلة علومهم تنفيرا للناس عن الالتفات إليهم والاغترار بأقوالهم ، قال في موضع الحال من (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ) [الأنعام : ١٣٦] مبينا عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته ، زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عودا على بدء وعللا بعد نهل ، لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي أَنْشَأَ) أي من العدم (جَنَّاتٍ) أي من العنب وغيره (مَعْرُوشاتٍ) أي مرفوعات عن الأرض على الخشب ونحوه ، أي لا تصلح إلا معروشة ، ومتى لم ترفع عن الأرض تلف ثمرها (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) أي غير مرفوعات على الخشب ، أي لا تصلح إلا مطروحة على
__________________
(١) موقوف. أخرجه البخاري ٣٥٢٤ عن ابن عباس.
(٢) موقوف. أخرجه البخاري ٤٣٧٦ عن أبي رجاء العطاردي.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
