ولما كان التقدير : فإن أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى ، وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى الشرك ، عطف على هذا قوله : (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) أي المشركين تدينا بما يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله عليه ، أو في شيء مما جادلوكم فيه (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) أي فأنتم وهم في الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة ، لأن من اتبع أمر غير الله فقد أشركه بالله كما قال صلىاللهعليهوسلم في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) [التوبة : ٣١] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا (١) ، فنبه صلىاللهعليهوسلم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني ؛ قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة : حكي في الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم غير الله كالمسيح لم تحل ؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج (٢) أن اليهودي لو ذبح لموسى والنصراني لعيسى عليهماالسلام أو للصليب حرمت ذبيحته ، وأن المسلم لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فينبغي أن يقال : تحرم ، لأنه ذبح لغير الله تعالى ، قال : وخرّج أبو الحسن وجها آخر أنها تحل لأن المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما يعتقده النصراني في عيسى عليهالسلام. قال : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا ، وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله ، واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له. وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم ، العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق للعبادة ، فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته ، وكان فعله كفرا كمن سجد لغيره سجدة عبادة ، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه ، فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه ـ بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة ، وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة ، ومن هذا القبيل الذبح عند استقبال السلطان ، فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود ، ومثل هذا لا يوجب الكفر ، وكذا السجود لغير الله تذللا
__________________
(١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٠٩٥ من حديث عدي بن حاتم في خبر قدومه على رسول الله صلىاللهعليهوسلم. قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث ا ه وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣ / ٢٣٠ ، فزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ا ه وقال ابن كثير في تفسيره ٢ / ٣٦٢ : رووه من طرق عنه.
(٢) هو يوسف بن أحمد بن كنج الدينوري الشافعي ، فقيه القضاة.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
