علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك ، ولو لا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير في استقامتها ورجوعها ، وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه ، لما قدر الناس على إدراكه ، وذلك كله بوحي من الله عزوجل إلى أنبيائهم عليهمالسلام ، وقد روي أن إدريس عليهالسلام أول من علم النجوم ، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء (١) ، ولو لا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها.
ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حدا علا عن طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن ، فكانت فخرا يتوقع فيه التنبيه عليه فقال : (قَدْ فَصَّلْنَا) أي بينا بيانا شافيا على ما لنا من العظمة (الْآياتِ) واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع ؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال : (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي لهم قيام فيما إليهم ، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب.
ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي ، أتبعه ـ كما مضى فى أول السورة ـ الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت ، وهو الإنسان ، دالا على كمال القدرة على كل ما يريد ، مبطلا بمفاوتة أول الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما ، لأن واحدا منها لا اختيار له في شيء يصدر عنه ، بل هو مسخر ومقهور كما هو محسوس ومشهور ، فقال : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي أَنْشَأَكُمْ) أي وأنتم في غاية التفاوت في الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها سبحانه على ما اقتضته حكمته (مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) ثم اقتطع منها زوجها ثم فرّعكم منهما.
ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا يزول ، لا يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية من حياة ، قال : (فَمُسْتَقَرٌّ) أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض ـ هذا على قراءة ابن كثير وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل ، والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [البقرة : ٢٦].
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٤ / ١٧٤٩ برقم ٥٣٧ وأبو داود ٣٩٠٩ من حديث معاوية بن الحكم السلمي «قلت يا رسول الله : ومنا رجال يخطون! قال : كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك.» وقد اختلف العلماء في معناه ، والصحيح أن معناه من وافق خطه خط ذاك النبي فهو مباح ، ولكن موافقة خط ذاك النبي غير يقيني ، فلا يجوز ولا يباح ذلك.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
