(وَالنَّوى) أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر ، ولا يكون مقصودا لذاته بفلقها عن الأشجار ، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار ، وتدل على كمال الواحد المختار ؛ قال الإمام الرازي ما حاصله : إن النواة والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة ، فيظهر الله فيها شقا في أعلاها وآخر في أسفلها ، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض ، هي العروق ، وتلك الحبة أو النواة سبب وأصل بين الشجرتين : الصاعدة والهابطة ، فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس ، وليس ذلك قطعا بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين والإبداع ، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت كالماء ، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلّة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم ، فحصول هذا النفوذ لهذه الأجرام اللطيفة لا يكون قطعا إلا لقوة الفاعل المختار ، لا سيما إذا تأملت ظهور شجرة من نواة صغيرة ، ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة ، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش ، ثم يتولد من ساقها أغصانها ، ومن الأغصان أوراقها أولا ثم أنوارها وأزهارها ثانيا ، ثم الفاكهة ثالثا ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشور ، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر ، وتحته القشر الذي كالخشب ، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة ، وتحته اللب المشتمل على جرم كثيف هو أيضا كالقشرة ، وعلى جرم لطيف هو الزهر ، وهو المقصود بالذات ، فتولد هذه الأجسام المختلفة طبعا وصفة ولونا وشكلا وطعما مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة ، وقد تجتمع الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة ، بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز ، وبعضها يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش ، وبعضه لا لب لنواه كالتمر ، وبعضه يكون كله مطلوبا كالتين ، واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة ، بل عن الواحد المختار ، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور ، فشكل الحنطة كأنه نصف مخروط ، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر ، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر ، وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان وسمّا لحيوان آخر ، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دالّ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
