انقضت ذرية إبراهيم عليهالسلام ، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة ، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة ، ووفاق من حيث إن كلّا منهما أرسل إلى غير قومه فقال : (وَلُوطاً) ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال : (وَكلًّا) أي ممن ذكرنا (فَضَّلْنا) أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة (عَلَى الْعالَمِينَ) فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده ، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليهالسلام وختمهم بابن أخيه لوط عليهالسلام على هذه المناسبة الحسنة ؛ وقيل : إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم ـ نمرود وجنوده ـ بعد هجرته ، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم ، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليهالسلام طباق. ومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضا أن إسماعيل عليهالسلام يوازي نوحا عليهالسلام ، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره ، كما أن نوحا عليهالسلام رابعه إذا عددته من أوله ، والمناسبة بينهما أن نوحا عليهالسلام نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليهالسلام الذي جعله الله أبا للأنبياء والمرسلين ، وإسماعيل عليهالسلام نشر الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلىاللهعليهوسلم الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية ، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليهالسلام وبعدها ـ وهما نوح ولوط عليهماالسلام ـ أهلك الله قوم كل منهما عامة ، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مائع الماء ، وأشقى بكل منهما زوجته ، بيانا لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة ، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع ، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهمالسلام في أن كلّا من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه ، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليهالسلام وابن أخيه لوطا عليهالسلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهماالسلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة ، وأنجى ذرية إبراهيم بهما ، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطا ـ لكونه تابعا له ـ واحدا ، وموسى وأخاه هارون واحدا لمثل ذلك ، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي : لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون ، وكان الأربعة واسطة عقدة ، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة ، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام : ٩٠] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم ، ويكون من بين يديه تسعة ، ومن خلفه تسعة ، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة ، ومن لوط إلى هارون كذلك ، فكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
