بلقيس رضي الله عنها ؛ وقصة يوسف عليهالسلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) [يوسف : ٣٩].
ولما كان يوسف عليهالسلام ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به ، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما ، فكأن بعض قصصهم وفاق ، وبعضها تقابل وطباق ، فقال : (وَمُوسى وَهارُونَ) ولما كان التقدير : هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى ، لم يشغل أحدا منهم منحة السراء ولا محنة الضراء ، عطف عليه قوله : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ما جزيناهم (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة ، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية ، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا.
ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك ، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال : (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى) ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما ، وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال : (وَعِيسى وَإِلْياسَ) ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين ، قال مادحا لهم على وجه يعم من قبلهم : (كُلٌ) أي من المذكورين (مِنَ الصَّالِحِينَ) ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر ، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال : (وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ) هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس ، كما ذكر البغوي في سورة الصفت أن الله تعالى أرسل إلى إلياس ـ وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليهالسلام ـ فرسا من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وكساه الريش ، فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا ، وسلط الله على آجب ـ يعني الملك الذي سلط على إلياس ـ عدوا فقتله ونبأ الله اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون ـ كما قال زيد بن أسلم ـ فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهماالسلام أن كلّا منهما كان صادق الوعد ، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليهالسلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) [المائدة : ١٢] وقوله و (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) [المائدة : ٢٣] وأيضا فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد ، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة ، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة ـ كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى.
ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب ، أتبعهما من هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال : (وَيُونُسَ) أي هديناه ؛ ولما
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
