ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها ، ورحمته بجعلها عليه بردا وسلاما ؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليهالسلام العود في ملتهم ، زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من دنو ساحات الكفر ـ والله الموفق.
ولما بان كالشمس بما أقام من الدليل أنه أحق بالأمن منهم ، قال مسببا عما مضى تقريرا لهم : (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) أي حزب الله وحزب ما أشركتم به ، ولم يقل : فأيّنا ، تعميما للمعنى (أَحَقُّ بِالْأَمْنِ) وألزمهم بالجواب حتما بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إن كان لكم علم فأخبروني عما سألتكم عنه ؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلا ليخبروا عما سئلوا عنه قوله مستأنفا : (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذا الفعل (وَلَمْ) أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم (يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ) أي يخالطوه ويشوبوه (بِظُلْمٍ.)
ولما كان المعنى : أحق بالأمن ، عدل عنه إلى قوله مشيرا إليهم بأداة البعد تنبيها على علو رتبتهم : (أُولئِكَ لَهُمُ) أي خاصة (الْأَمْنُ) أي لما تقدم من وصفهم (وَهُمْ مُهْتَدُونَ) أي وأنتم ضالون ، فأنتم هالكون لإشرافكم على المهالك «وتفسير النبي صلىاللهعليهوسلم فيما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله تعالى (بِظُلْمٍ) بالشرك» (١) الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان : ١٣] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على أن هذا التنوين للتعظيم ، ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك واطمأنوا إليه ، ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك ، وأنه دال على الحث على التبريء عن قليل الشرك وكثيره ، فآل الأمر إلى أن المراد : ولم يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك ، فالتنوين حينئذ للتحقير كما هو للتعظيم ، فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معا ـ والله أعلم.
(وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٩١٨ ومسلم ١٢٤ والترمذي ٣٠٦٩ والنسائي في الكبرى ١١٣٩٠ وأبو يعلى ٥١٥٩ وأحمد ١ / ٤٤٤ و ٣٨٧ من حديث ابن مسعود وفيه : «فقالوا يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟! قال : إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان : ١٣] إنما هو الشرك».
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
