ولما قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره ، علله فقال : (قَوْلُهُ الْحَقُ) أي لا قول غيره ، لأن أكثر قول غيره باطل ، لأنه يقول شيئا فلا يكون ما أراد ؛ ولما كان في مقام الترهيب من سطوته ، قال مكررا لقوله (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) : (وَلَهُ) أي وحده بحسب الظاهر والباطن (الْمُلْكُ يَوْمَ) ولما كان المقصود تعظيم النفخة ، بني للمفعول قوله : (يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) لانقطاع العلائق بين الخلائق ، لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب ، وقوله ـ : (عالِمُ الْغَيْبِ) وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه (وَالشَّهادَةِ) وهو ما صار بحيث يطلع عليه الخلق ـ مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه من تمام الترهيب ، أي أنه لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ، فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب ، ويذهب التعاضد والتعاون ، وهو على عادته سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلّا قرر فيه أصلين : القدرة على جميع الممكنات ، والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات ، لأنه لا يقدر على البعث إلا من جمع الوصفين (وَهُوَ) أي وحده (الْحَكِيمُ) أي التام الحكمة ، فلا يضع شيئا في غير محله ولا على غير أحكام ، فلا معقب لأمره ، فلا بد من البعث (الْخَبِيرُ) بجميع الموارد والمصادر ، فلا خفاء لشيء من أفعال أحد من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب.
ولما كان مضمون هذه الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية ، وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليهالسلام ، وكان إبراهيم عليهالسلام يعرف بفضله جميع الطوائف ، لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من العرب ، والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك به واحتمال الأذى فيه سبحانه ، تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض حججهم فقال : (وَإِذْ) أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا بالخلق وتمام القدرة ، ما أعظمه وما أجله وأضخمه! وتفكر في عجائبه وتدبر في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله ، واذكر إذ (قالَ إِبْراهِيمُ) أي اذكر قوله ، وحكمة التذكير بوقته التنبيه على أن هذا لم يزل ثابتا مقررا على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور ، وكان في هذه المحاجة التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب ، وانعطف هذا على ذاك أيّ انعطاف! وصار كأنه قيل : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام والنجوم والنور والظلمة ، فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا ، اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض ، فإن تنبهوا فهو حظهم ، وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليهالسلام إذ قال (لِأَبِيهِ) ثم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
