ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات ، قال عاطفا على (وَكَذلِكَ فَتَنَّا) عطفا للضد على ضده ، فإن في الاختبار نوع خفاء : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ذلك الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء ، فيتميز الضال من المهتدي (نُفَصِّلُ الْآياتِ) التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع (وَلِتَسْتَبِينَ) أي تظهر ظهورا بينا (سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) فتجتنب ، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول ، لأن دفع المفاسد أهم.
ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم ، أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم ـ لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم ـ مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم ، وهي المباينة في الدين فقال : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ) أي ممن له الأمر كله (أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ) أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول الدين ، وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الذي لا أعظم منه ، فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن ، فمباينتي مبناها على المقاطعة ، فكيف تطمع فيّ متابعة! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في عبادتهم فقال : (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) أي عوضا عما أنا عليه من الحكمة البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة.
ولما كان من المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى ، بل إلى غاية الردى ، حقق ما أفهمته هذه الجملة بقوله : (قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً) أي إذا اتبعت أهواءكم ؛ ولما كان الضال قد يرجع ، بين أن هذا ليس كذلك ، لعراقتهم في الضلال ، فقال معبرا بالجملة الاسمية الدالة على الثبات : (وَما أَنَا) أي إذ ذاك على شيء من الهداية لأعد (مِنَ الْمُهْتَدِينَ*.)
(قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩))
ولما كان طلبهم للآيات ـ أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
