باتباعه حظ منه في قوله ـ : (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) أي مطلقا ، وذنب كل عبد بحسبه ، لأن أصل معنى الذنب أدنى مقام العبد ، فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه ، ولذلك في كل مقام توبة ، حتى تقع التوبة من التوبة فيكمل الوجود والشهود.
ولما كان هذا الأمر من أخص ما يقع ، وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع إلى من دون هذا الكمال فقال : (وَاللهُ) أي الذي له الكمال كله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة ، فمرحوم بعد مغفرة وهو القاصد ، ومغفور بعد محبة وهو الواصل ـ انتهى.
ولما كان الاتباع قد يكون عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال ـ أو يقال : لما كان صلىاللهعليهوسلم في غاية الرأفة بالعباد وكان يعلم أن آحاد الأمة لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان كأنه قال له سبحانه وتعالى : فإن لم يقدروا على كمال اتباعي؟ فقال : (قُلْ) وقال الحرالي : ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين ، في رتبتين أولاهما في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين ، فكان الاتباع موجب النجاة من التحذير الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة ، وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير الأول السابق ، فمن أطاع الله ورسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين من دون ولاية المؤمنين سلم من التحذير الظاهر ، ومن اتبع الرسول فأحبه الله سلم من التحذير الباطن ، فختم الخطاب بما به بدأ ، أو لما كانت رتبة الاتباع عليا وليتها رتبة الائتمار ، فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على طاعة ، فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة ، فكأن الخطاب يفهم : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي) [آل عمران : ٣١] ، فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني ، انتهى فقال سبحانه وتعالى : (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ) أي لما له من صفات الكمال. ولما قدم أن رضاه في اتباعه صلىاللهعليهوسلم فدل على أن الطاعتين واحدة قال موحدا للعامل : (وَالرَّسُولَ) أي الكامل في الرسلية لما له به سبحانه وتعالى من مزايا الاتصال ، وهو وإن كان اسما كليا لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب مختصا بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صلىاللهعليهوسلم وعليهم أجمعين وسلم. قال الحرالي : فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك ، وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطا بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي عن طاعة خطاب الله والرسول
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
