فقال : (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة (لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) أي لأن قدرته شاملة ، وإيمانهم في حد ذاته ممكن ، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم ؛ ولما كان صلىاللهعليهوسلم ـ بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره ـ حريصا على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلا عن القريب ، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة ـ كما أفاده الحرالي ـ من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم ، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم ، سبب عن ذلك قوله : (فَلا تَكُونَنَ) فأكد الكلام سبحانه ليعلم صلىاللهعليهوسلم أنه قد حتم بافتراقهم ، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم (مِنَ الْجاهِلِينَ) أي إنك أعلم الناس مطلقا ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره ، فكيف بمن بلوتهم ناشئا وكهلا ويافعا! فلا تعمل بحجة ما أوصاك الله به من الصبر والصفح ، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ما يعلم من خسرانهم ، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه ، فإن ما شاءه لا يكون غيره ، فهذه الآية وأمثالها ـ مما في ظاهره غلظة ـ من الدلالة على عظيم رتبته صلىاللهعليهوسلم ومن لطيف أمداح القرآن له ـ كما يبين إن شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ) [التوبة : ٤٣].
ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت ، فلا يمكن إسماعه إلا الله ، ولا يمكن أن يستجيب عادة ، قال : (إِنَّما يَسْتَجِيبُ) أي في مجاري عاداتكم (الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به ، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم (وَالْمَوْتى) أي كلهم حسا ومعنى (يَبْعَثُهُمُ اللهُ) أي الملك المحيط علما وقدرة ، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ ، فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحياة لدلالة (الْمَوْتى) عليها ، ومن الثاني السماع لدلالة (يَسْمَعُونَ) عليه.
ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت ، حثا على الإيمان وترغيبا فيه ، وقدر قدرته على البعث ، خوّف من سطواته بقوله : (ثُمَّ إِلَيْهِ) أي وحده (يُرْجَعُونَ) أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم ، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلا وحسا بعد الموت ، فيساقون قهرا إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه.
ولما سلاه صلىاللهعليهوسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره ، وأعلمه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
