ههنا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا ، فيومئذ سمي «الأخنس» ، وكان اسمه «أبي» ، فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس به فقال : يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ، فقال أبو جهل : ويحك! والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فما ذا يكون لسائر قريش! (١) وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلىاللهعليهوسلم : ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به ، فأنزل الله الآية (٢). وعلى ذلك يدل قوله تعالى : (وَلكِنَّ ،) وقال : (الظَّالِمِينَ) في موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ، أي الذين كانوا في مثل الظلام (بِآياتِ) أي بسبب آيات (اللهِ) أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله (يَجْحَدُونَ) قال أبو على الفارسي في أول كتاب الحجة : أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك ، وعلق باء الجر بالظالمين كما هي في قوله (وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها) [الإسراء : ٥٩] ونحوها ، وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال : جحد الشيء جحدا وجحودا : أنكره وهو عالم به. هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم إلى إنكار الآيات إلا بالتكذيب ، أو ما يؤول إليه ، وأنت تعلم أن الذي أرسلك على كل شيء قدير ، وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ، فاقتضت قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف ، واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفا لك وتكثيرا لأمتك.
ولما سلاه بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر ، وبأن تكذيبهم إنما هو له سبحانه ، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم ، بل ويحسن إليهم بالرزق والمنافع ، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال : (وَلَقَدْ) ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : (كُذِّبَتْ رُسُلٌ).
ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان ، وكان الاشتراك في شيء يهوّنه ، وكلما قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلِكَ) بأن جحد قومهم ما يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك (فَصَبَرُوا) أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم أنهم صبروا (عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا) أي فصبروا أيضا على ما أوذوا ، ثم أشار إلى
__________________
(١) ذكره في أسبابه ٤٢٨ عن السدي بلا سند ، وذكره ابن هشام في سيرته ١ / ٣١٠ بنحوه من طريق ابن إسحاق عن الزهري به.
(٢) قلت : أخرجه الطبري ١٣٩٨ و ٣١٩٩ وناجية بن كعب.
ـ وذكره الواحدي في أسبابه ٤٢٩ من حديث أبي ميسرة بلا سند ، وهذا مرسل أبو ميسرة تابعي.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
