ولما كان معنى هذا أنهم أكذب الناس ، دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد انكشاف الغطاء فقال : (وَيَوْمَ) أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه الدار ، واذكر أعجب من ذلك ، وهو كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء وارتفاع الحجب يوم (نَحْشُرُهُمْ) أي نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون صاغرون (جَمِيعاً) أي أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم ، وأشار إلى عظمة ذلك اليوم وطوله ومشقته وهوله بقوله بأداة التراخي : (ثُمَّ نَقُولُ) أي بما لنا من العظمة التي انكشفت لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها توبيخا وتنديما (لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي سموا شيئا من دوننا إلها وعبدوه بالفعل من الأصنام أو عزير أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك ، أو بالرضى بالشرك ، فإن الرضى بالشيء فعل له لا سيما إن انضم إليه تكذيب المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) أضافهم إلى ضميرهم لتسميتهم لهم بذلك (الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أي أنهم شركاؤنا بالعبادة أو الشهادة بما يؤدي إليها ، ادعوهم اليوم لينقصوكم مما نريد من ضركم ، أو يرفعوكم مما نريد من وضعكم ، وسؤالهم هذا يجوز أن يكون مع غيبة الشركاء عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم ، فيكون الاستفهام عما كانوا يظنون من نفعهم ، فكأن غيبته غيبتهم.
ولما كان إخبارهم بغير الواقع في ذلك اليوم مستبعدا بعد رفع الحجاب عن الأهوال وإظهار الزلازل والأوجال. أشار إليه بأداة البعد فقال : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ) أي عاقبة مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من شأنها أن يميل ما خالطته فتحيله ـ ولو أنه جبل ـ عن حاله بما ناله من قوارعه وزلزاله إلّا كذبهم في ذلك الجمع ، وهو معنى قوله : (إِلَّا أَنْ قالُوا) ثباتا منهم فيما هم عريقون فيه من وصف الكذب : (وَاللهِ) فذكروا الاسم الأعظم الذي تندك لعظمته الجبال الشم ، وتنطق بأمره الأحجار الصم ، الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم ، وأكدوا ذلك بذكر الوصف المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا : (رَبِّنا) فلم يقنعوا بمجرد الكذب حتى أقسموا ، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف المحسن (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون فيه في ذلك اليوم بعد كشف الغطاء تطمعا بما لا ينفعهم ، كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح الجميع : المشركين وأهل الكتاب ، أو يكون المعنى تنديما لهم وتأسيفا : أنه لم يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في لزومه والافتخار به والقتال عليه ـ لكونه دين الآباء ـ إلّا جحوده والبراءة منه والحلف على الانتفاء من التدين به ، والمعنى على قراءتي النصب والرفع في «فتنة» على جعلها خبرا أو اسما واحدا ، فمعنى قراءة النصب : لم يكن شيء إلّا قولهم ـ أي غير قولهم الكذب ـ فتنتهم ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
