مقتضى ظاهر لفظه ، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر ، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر ، أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر ، برهانه : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ) [النساء : ٦٤] (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [إبراهيم : ٤] وقال (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) [النور : ٦٣] ، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية ، لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص ، وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة ، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما يقتضيه ـ انتهى. وقال أهل الأصول : إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ظنية أي راجحة ، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، فإن حمل عليه لدليل فصيح ـ أو لما نظن دليلا وليس في الواقع بدليل ـ ففاسد ، أو لا لشيء فلعب لا تأويل ، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب : والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ، ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلّا لضرورة ـ انتهى ، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني رأيته بخطه : الآية العاشرة : (لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) [الفرقان : ١] قال المفسرون كلهم في تفسيرها : للجن والإنس ، وقال بعضهم : والملائكة. الثانية عشرة (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [سبأ : ٢٨] قال المفسرون : معناها : إلا إرسالا عاما شاملا لجميع الناس ، أي ليس بخاص ببعض الناس ، فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم ، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس ، بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل الجن ، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال : وما أرسلناك إلا إلى الناس ، فإن كلمة «إلا» تدخل على ما يقصد الحصر فيه ، فلما أدخلها على (كَافَّةً) دل على أنه المقصود بالحصر ، ويبقى قوله (لِلنَّاسِ) لا مفهوم له ، أما أولا فلأنه مفهوم قلب وأما ثانيا فلأنه لا يقصد بالكلام ، أما ثالثا فلأنه قد قيل : إن (الناس) يشمل الإنس والجن ، أي على القول بأنه مشتق من النوس ، وهو التحرك ، وهو على هذا شامل للملائكة أيضا ، وممن صرح من أهل اللغة بأن (الناس) يكون من الإنس ومن الجن الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب ، قال السبكي : السابعة عشرة (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) [ص : ٨٧] الثامنة عشرة (إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) [يس : ١١] ونحوهما كقوله
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
