الصلاة والسّلام لم يرسل إلى الملائكة ، وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه ، قال : وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية ـ أي (لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) [الفرقان : ١] أنه لم يكن رسولا إليهم ـ انتهى. وهو شهادة نفي كما ترى ، لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله بأن الملائكة أفضل من الأنبياء ـ كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما ، ولم يوافقه على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي أبو بكر الباقلاني ، فكما لم يوافق على الأصل لا يوافق على الفرع ، وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته عليه لا يوجب القطع برضاه ، قال الزركشي في شرح جمع الجوامع : وهي مسألة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم : الملائكة ما دخلت في دعوته ، فقاموا عليه ، وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة الفرقان الدخول محتجا بقوله تعالى (لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) : والملائكة داخلون في هذا العموم ـ انتهى. وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع ، وعلى تقدير صحته ففيه أمور ، أما أولا فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار وأقاويل السلف فيه ، وأما ثانيا فإنه نقل يحتمل التصحيح والتضعيف ، لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد به ، أو يكون أخذه عن أحد مذاكرة وأحسن الظن به ، أو حصل له سهو ، ونحو ذلك ، فلا وثوق إلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ليقاوم هذه الظواهر الكثيرة ، وأما ثالثا فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين السبكي أن بعض المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة ، وقال الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع : وأما كونه مبعوثا إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم ، وهذا يتناول الإنس والجن والملائكة ، فأما الأولان فبالإجماع ، وأما الملائكة فمحل خلاف فأين الإجماع! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع ، وإنما قال : ثم قالوا : هذه الآية تدل على أحكام : الأول أن العالم كل ما سوى الله ، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا نبئنا أنه عليهالسلام لم يكن رسولا إلى الملائكة ، فوجب أن ينفى كونه رسولا إلى الجن والإنس جميعا ، وبطل قول من قال : إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض ، الثاني أن لفظ (العالمين) يتناول جميع المخلوقات ، فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل ـ هذا لفظه في أكثر النسخ ، وفي بعضها : لكنا أجمعنا ـ بدل : نبئنا ـ وهي غير
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
