فما لك لا تتبعه؟ فقال : أجدني أحسده وأحب الخمر ، فكتب هوذة كتابا وبعث إلى النبي صلىاللهعليهوسلم بهدية مكانه ذلك ، وشعر به قومه فأتوه فهددوه ، فرد الرسول واستمر على نصرانيته ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم لما رجع إليه سليط : باد هوذة وباد ما في يده! فلما انصرف النبي صلىاللهعليهوسلم من فتح مكة جاءه جبرئيل عليهالسلام بأن هوذة مات (١) ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي (٢) ، فكان كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب ، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن ، فلما بلغه رسالة النبي صلىاللهعليهوسلم قال الحارث : قد كان هذا النبي عرض نفسه عليّ فخطئت عنه ، وكان ذخرا لمن صار إليه ، وسأنظر ، وتباطأ به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلىاللهعليهوسلم من تبوك سنة الوفود ، وكاتب النبي صلىاللهعليهوسلم بذلك ؛ وبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان ، فتوقفا واضطرب رأيهما ، ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر : إنه والله قد دلني على هذا النبي صلىاللهعليهوسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلّا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويغلب فلا يفجر ، وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد ، ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله ، وإني أشهد أنه رسول الله ، وأسلم أخوه أيضا ، وكتبا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم بإسلامهما ، فقال خيرا وأثنى خيرا ، وكان في سير هؤلاء الرسل لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص غرائب من دلائل النبوة وأعلام الرسالة ، خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ملاله ، وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم أسلوبه لعمري جليل ، هؤلاء رسل البشر ، وأما الرسل من الجن فقد روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) [الجن : ٢٩] قال : كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم رسلا إلى قومهم» (٣) قال الهيثمي : وفي سنده النضر أبو عمر
__________________
(١) هذا الخبر. أخرجه ابن سعد في الطبقات ١ / ١٩٨. ٢٠١ من حديث عمرو بن أمية الضمري.
(٢) لم أجده بهذا السياق. وورد بهذا المعنى عند البخاري ٣٦٢١ و ٤٣٧٣ و ٤٣٧٤ و ٧٤٦١ ومسلم ٢٢٧٣ و ٢٢٧٤ والترمذي ٢٢٩٢ والنسائي في الكبرى ٧٦٤٨ وابن حبان ٦٦٥٤ والبيهقي في الدلائل ٥ / ٣٣٤ وأحمد ٢ / ٣١٩ من حديث ابن عباس أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «بينما أنا نائم ، رأيت في يديّ سوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما ، فأوحي إلي في المنام ، أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأوّلتهما ، كذابين يخرجان بعدي ، فكان أحدهما العنسي ، والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة».
(٣) موقوف. أخرجه الطبراني في الكبير كما في المجمع ٧ / ١٠٦ عن ابن عباس موقوفا ، وقال الهيثمي : فيه النضر أبو عمر متروك ا ه هو عند الطبراني برقم ١١٦٦٠ ورواه البزار ٢٢٥٦ من طريق عفير بن معدان ، وهو متروك.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
