الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (١) فإن ظاهره مناف لظاهر الأول ، وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج ، ومؤيد بصحيح النقل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أي لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه ، و «قد كان الله ولا شيء معه» (٢) ، وحديث «ليس فوقك شيء» (٣) ـ رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ والله الموفق.
ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط ، نسبة كل من الخفي والجلي إليه على السواء ، وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق الإنسان وعجيب صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن يقدر على التعبير عنه ، ثم أقدره على ذلك ؛ قدم الخفي فقال شارحا لكونه لا يغيب عنه شيء : (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ).
ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه ، صرح به فقال : (وَجَهْرَكُمْ) ونسبة كل منها إليه على حد سواء ، ولا توصف واحدة منها بقرب في المسافة إليه ولا بعد ؛ ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال ، وكانت الأقوال تتعلق بالسمع ، ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة بالبصر فقال : (وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات العلم ، فلما تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون ، وصل بذلك في
__________________
(١) صحيح. أخرجه مسلم ٢٧١٣ وأبو داود ٥٠٥١ والترمذي ٣٤٠٠ والنسائي في اليوم والليلة ٧٩٠ وابن ماجه ٣٨٧٣ وابن السني ٧٢٠ وابن أبي شيبة ١٠ / ٢٥١ وابن حبان ٥٥٣٧ وأحمد ٢ / ٣٨١ و ٥٣٦ من حديث أبي هريرة قال : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا أوى إلى فراشه قال : «اللهم رب السموات ، ورب الأرض ، ورب العرش العظيم ، ربنا وربّ كل شيء ، فالق الحب والنوى ، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنّا الدين ، واغننا من الفقر».
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٧٤١٨ و ٤٩٧٥ والطبراني ١٨ / (٤٩٩) (٥٠٠) والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٢٣١ وفي السنن ٩ / ٢. ٣ وابن حبان ٦١٤٢ وأحمد ٤ / ٤٣١ من حديث عمران بن حصين. قال : «إني عند النبي صلىاللهعليهوسلم إذ جاءه قوم من بني تميم ، فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم! قالوا : بشرتنا فأعطنا ، فدخل ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم! قالوا : قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن هذا الأمر ما كاد؟ قال : كان الله ، ولم يكن شيء قبله ، وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السماوات والأرض ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم أتاني رجل ، فقال : «يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت ، فانطلقت أطلبها ، فإذا السراب ينقطع دونها ، وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم».
(٣) هو المتقدم قبل حديث واحد.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
