المناظر لمن يناظره : هب أن هذا على ما تقول. يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا يعتقده ، ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره ، فهذا ما ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليهالسلام (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ) [يوسف : ٣٨] ، فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله المفترون ، ويشهد لما قلناه قوله تعالى : (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) [الأنعام : ٨٣] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون ، فمن الخلق من جعله الله سامعا بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك ، ومنهم الميت ، والموتى على ضربين : منهم من يزاح عن جهله وعمهه ، ومنهم من يبقى في ظلماته ميتا لا حراك به ، يبين ذلك قوله تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) [الأنعام : ١٢٢] ؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل ـ وإن لم يكن متيقظا بأول وهلة ، ولا سامعا أول محرك ، ولا مستجيبا لأول سامع ـ قد ينتقل حاله عن جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة ؛ ناسب تحريك العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين : حالة السامعين لأول وهلة ، وحالة السامعين في ثاني حال ، فقيل : (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ) [الأنعام : ٣٦] ولم تقع هنا إشارة إلى القسم الثالث مع العلم به ، وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار ، ولأن هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته ، رجعت حالة ابتدائه ، فقيل : (وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ) وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل والتيقظ من سنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحدا فقيل : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا ، وردّ هذا (وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ) إسماعا للكل ، وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء لتقوم الحجة على العباد ، حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر ، وفاز بالخير أهله ، قال تعالى بعد آي : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام : ١٢٢] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة الله عليه بإحيائه : هل يشبه الآن حالك النيرة ـ بما منحت حين اعتبرت ـ بحالك الجمادية؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة ، واتعظ بحال من لزم حال موته فلم تغن عنه الآيات ، وهو المشار إليه بقوله : (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
