يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيىء بحسب السابقة فقال تعالى : (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) [الأنعام : ٣٦] ثم قال تعالى : (وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ) [الأنعام : ٣٦] ، وهو ـ والله أعلم ـ من نمط (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ،) أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها ، والمراد أن من الخلق من جعله الله سامعا مطيعا متيقظا معتبرا بأول وهلة ، وقد أري المثال سبحانه وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليهالسلام في قوله : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام : ٧٥] ، فكأنه يقول لعباده المتقين : تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة أبيكم إبراهيم كيف نظر عليهالسلام نظر السامع المتيقظ! فلم يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بيّن فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب والقمر والشمس ، بل نظر فيما عنه صدر النور ، لا في النور ، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، فتأمل كونه عليهالسلام لم يطول النظر بالتفات النور ، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور ، بل لما رأى النور عن أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات ، فرأى الأفول والطلوع والانتقال والتقلب فقال : هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث ، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما فحكم بأن وراءها مدبرا لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام : ٧٩] وخص عليهالسلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة ، ثم تأمل هذا النظر منه عليهالسلام وكيف خص بالاعتبار أشرف الموجودين وأعلاهما ، فكان في ذلك وجهان من الحكمة : أحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه أبين ، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي ، والوجه الثاني التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية «وهو من قبيل أخذ نبينا صلىاللهعليهوسلم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن ، فقيل له : اخترت الفطرة! (١) فكان قد قيل : هذا النظر والاعتبار بالهام ، لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام ، وينبغي أن يعتمد في قصة إبراهيم عليهالسلام في هذا الاعتبار أنه صلىاللهعليهوسلم في قوله : (هذا رَبِّي) إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك إذ كان دين قومه ، فبسط لهم الاعتبار والدلالة ، وأخذ يعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه ، فهو كما يقول
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٣٧ و ٣٣٩٤ و ٥٦٠٣ ومسلم ١٦٨ والترمذي ٣١٣٠ والنسائي ٨ / ٣١٢ وابن حبان ٥٢ والبيهقي في الدلائل ٢ / ٣٨٧ وعبد الرزاق ٥ / ٣٢٩ وأحمد ٢ / ٢٨٢ من حديث أبي هريرة وصدره عند البخاري : «ليلة أسري بي لقيت موسى» وفيه ... : «وأوتيت بإناءين أحدهما لبن ، والآخر فيه خمر ، فقيل لي : خذ أيهما شئت ...».
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
